عبد الجبار الرفاعي
135
محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية
الذهن البشري ، أي هناك حالة مفطور عليها ذهن الانسان ، وهذه الحالة ندركها في حياتنا الطبيعية ، وهي انه كلما اقترن شيئان فالذهن البشري عادة ينتقل من أحدهما إلى الآخر . هذه الحالة نراها دائما عندما نرى أصدقاء اثنين أو ثلاثة مقترنين ، فإذا لاحظنا أحدهما انتقل ذهننا إلى الآخر . وهذا منشؤه وجود حالة فطرية تكوينية طبيعية في الذهن البشري ، وهي انه كلما لاحظ بصورة مكررة أمرين وربط وقرن بينهما ، فإذا ربط بينهما ، فإنه كلما تصور أحدهما انتقل إلى الثاني ، كالاقتران بين الزئير والأسد ، أو الرعد وضوئه . والاقتران بين أمرين تارة يكون بنحو طبيعي كالمثالين المتقدمين ، وأخرى يكون الاقتران بسبب الجعل والوضع ، فالواضع هو الذي يقرن بين أمرين كما في عملية الوضع اللغوي ، أو كما في علامات المرور التي وضعت للدلالة على منع التوقف أو توجيه حركة المرور . والألفاظ والمعاني هكذا ، فعند ما يوضع لفظ لمعنى ، كالماء الموضوع لمعنى ماء ، فليس بمجرّد ان اعتبر اللفظ للمعنى يتحقق الوضع وتتحقق السببية ، ولكن لا بد من أن تحصل عملية تكرار أو ظرف مؤثر يوجب الاقتران الأكيد ، بمعنى ان الوضع يستتبع تارة عاملا كميا هو كثرة الاستعمال ، وتارة عاملا كيفيا هو الظرف المؤثر ، فيحصل الاقتران ويترسخ كلما تكررت العملية ، وحينئذ يتحقق الوضع . إذا الوضع هو اقتران وثيق بين اللفظ والمعنى ، فكلما تمّ تصور اللفظ يتمّ تصور المعنى . ومن ذلك نعرف ان الوضع هو سبب الدلالة التصورية ، أما الدلالة التصديقية الأولى والثانية ، اي الدلالة على قصد الاخطار ، وقصد الحكاية والاخبار في الجملة الخبرية مثلا ، فتتولدان من حال المتكلم ، بناء على النظرية الثانية والرابعة .